عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضواً معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة منتدي المبرمج السوداني
سنتشرف بتسجيلك
شكرا جزيلاً

ادارة منتديات المبرمج السوداني


المبرمج السوداني
 
التسجيلالرئيسيةس .و .جبحـثدخول

شاطر | 
 

 بقايا الشّوق

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
زهرة المنتديات
مرشح للاشراف
مرشح للاشراف


انثى
عدد الرسائل : 103
العمر : 32
نقاط : 99
تاريخ التسجيل : 16/08/2008

مُساهمةموضوع: بقايا الشّوق   الأحد أغسطس 17, 2008 5:52 am


كانت صباحاته دائماً مقفلة، تضيق المسافات بينه وبينها، تدور ساعات اليقظة الباردة، بدأ نهاره بمشاهدة نفس الوجوه المتزاحمة بطابور المراجعين، شيء ما يضايقه يجعله متحفزاً حتى من ذاته، تأفف وأزاح كرسيه قليلاً، انحنى وفتح الدرج الأخير في طاولته الجديدة، أخرج مصنفاً قديماً.. قرأ ورقة قديمة، أخرج طلاء أبيضاً، غطى اسم المدير العام القديم وسجّل اسم المدير الجديد، رماه على الطاولة، أراح رأسه إلى الجدار، أشعل لفافة تبغ، دقق بعض الأوراق المبعثرة على طاولته، أدهشه احتباس ذاكرته داخل دائرة مقسمة، نصفها يدور في عالم فارغ لزمن آتٍ يزحف عبر أسلاك ملفوفة بأسئلة لا تنتهي؟.. ونصفها الثاني يلهث في مجاهل بوابات مقفلة لزمن مهجور خلف بقايا إنسان محطم، ما زال يبحث عن حلم تاه بيوم كانوني متفجر بالرعد والمطر وملفوف برياح مجنونة قوية؟ وقف أمام النافذة حاول أن يشغل نفسه بأي شيء، قادته ذاكرته المنقسمة إلى ذلك الصباح حيث كانت السيارة تبتعد عن قرية ياسر وضجيج محركها القديم يعكر هدوء صباحها الندي؟ وهي تستيقظ على ومضات فجرها الكانوني الممزوج بالمطر وعويل الرياح..!! كان يظن أن المدن أكثر اتساعاً من فضاء الريف المسكون بالفرحة والمحاصر بقانون العيب والمحرمات، نظراته للمدى جعلته يعيش أحلام اليقظة، أصوات القطارات الراحلة نحو الشمال والجنوب تنفر زقزقات العصافير المبللة وتطوي بداخلها أيادي الراحلين المرتجفة، تعصر بقايا الشوق في وداع من تحب! بتلك اللحظة تأمل ياسر بنظراته أسطحة المنازل الريفية وشوارعها الضيقة الخالية إلا من قطعان الأغنام الساربة خلف رعيانها تحيط بها كلاب الراعي المنضبطة من كل جانب!! بدت لياسر كأنها لوحة لا يمكن لأي فنان رسمها..!! مطر.. مطر شديد ممزوج بوحل الأرض يضرب مقدمة السيارة وجوانبها والضباب يلفها من كل جانب، وبدت السيارة كأنها تمشي في المجهول حتى تصل إلى الطريق الإسفلتي المؤدي للمدينة.. وشيئاً فشيئاً أخذ يتسرب روث البهائم المربوطة على السيارة عبر شقوقها الصدئة وأخذ الركاب يتذمرون بأصوات مهمهمة! ابتسم إنها المعاناة اليومية.
لاحظ أبو فهد ذلك وهو يمد يده المحروقة من قيظ الصيف يحمل خرقة يمسح بها زجاج المقدمة حتى يراقب جانبي الطريق المرصوف بالحجارة الصغيرة.. اتكأ أبو فهد (خالد البكراوي) صاحب السيارة على يده اليمنى، وهمس لجاره مصطفى المحمود (الله وكيلك يا أبا نادر من عشرين سنة وأنا على هالخط ما مرّ علي يوم متل ها اليوم) ثم لوى رقبته هامساً: (يمكن في شيء حدا مونضيف يا أبا نادر) قهقه أبو نادر حتى ارتطم رأسه بجدار السيارة وقال موجهاً كلامه إلى أبي فهد: (العمى يضربك الدنيا الصبح) يمكن ما حدا غيرك يا أبا البدويات..! وضحكا معاً وضربا كفاً بكف.. توقفت طقطقات سبحة العم أبي حامد الرجل الوقور المعروف باتزانه وكلامه الحكيم..؟ وحدوا الله يا جماعة الخير نحن بين أيادي الباري ما حدا بيعرف شو مكتوب، وبدأ يتلو الفاتحة: مطر شعر ياسر بشيء ما يكاد يخنقه، لقد انعدمت الرؤيا داخل السيارة من دخان الركاب ونفسهم.. وخارجها يلفها الضباب الكثيف؟.. حاول أن يفتح زجاج النافذة دون جدوى، لقد تماسك الزجاج مع الحديد بفعل الزمن. (إنه كانون المجنون هكذا كان أهالي قرية ياسر يطلقون عليه).. ضجّ بالسيارة صوت أبي علي تاجر المواشي لقد تعود الجميع ضخامة صوته فهو منذ طفولته يعمل في بازار الغنم في المدينة، حتى أصبح تاجراً خبيراً بأمور البازار ومداخله.. وجّه أبو علي كلامه للعم أبي حامد (شو خي أبو حامد هالسّنة سنة خير ما بتعرف وين بدنا نخبي الحنطة والشعير) وتابع ضاحكاً ولفافة التبغ لا تفارق شفتيه، نهره العم أبو حامد برقة.. قل إن شاء الله ما عادْ همك إلا كرشك وغنمك يا أبا كرش، لكن أبا علي أصرّ على ممازحة العم أبي حامد، لقد تعوّد على تأنيبه المؤدب.. إذا ملك الملوك وهب لا تسأل عن السبب.. خي أبو حامد..


يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زهرة المنتديات
مرشح للاشراف
مرشح للاشراف


انثى
عدد الرسائل : 103
العمر : 32
نقاط : 99
تاريخ التسجيل : 16/08/2008

مُساهمةموضوع: بقايا الشّوق   الأحد أغسطس 17, 2008 5:56 am

لاح العم أبو حامد برأسه وتابع طقطقات سبحته السوداء المتوارثة عن الأجداد دون كلام..!! نادى أبو سلمان من المقعد الخلفي يا جماعة الخير وقفوا ها الدخان (شو مرتي رح تموت) وانشقّ صوت مبحوح مرفق بسعال عميق من صدر أم سلمان فهي منذ زمن طويل مصابة بالتهاب في صدرها، وكلما أراد ابنها سلمان أن يصحبها معه إلى المدينة لزيارة الطبيب، كان والده يسرع إلى دار الشيخ أبو منذر ليأخذ رأيه..! فيهب الشيخ أبو منذر غاضباً يتطاير اللعاب من فمه: (اتقوا الله العمى نسوانا تنكشف على رجال غريبين شو ما عاد في حيا يا جماعة) ويمدّ يده إلى أبي سلمان خذ هذا الحجاب وهذه الأعشاب، شو عملها وقدّم إلى أبي سلمان حجاباً ملفوفاً بقطعة قماش بيضاء وقليلاً من الأعشاب كان أبو منذر يجمعها من سهول القرية البعيدة، شفاها على يدي إنشاء الله، يردد أبو سلمان إنشاء الله..؟
لكن في إجازته الأخيرة أصر سلمان أن يأخذ والدته معه إلى المدينة رغم غضب الشيخ أبو منذر ولكنه اشترط على إعطاء الموافقة بقاء الحجاب في رقبة أم سلمان..؟ وافق سلمان على مضض بالرغم من إيمانه أن الطب وحده كفيل بشفاء والدته..؟ حاول ياسر فتح زجاج النافذة من جديد ليرى ما يدور خارجها دون جدوى كانت الأمطار الغزيرة كالسيل تفوق التصور. يا إلهي: قال ياسر: كأن السماء تريد غسل وجه الأرض والرياح تريد قلع كل شيء، ومضات البرق أعادته للحظات وداع والديه وأخوته الصغار.. وضع والده يده على كتفه برفق.. كن رجلاً يا بني كما عرفتك دائماً، وتابع والده: المدينة غير القرية يا ياسر ولا تنس نحن ناسٌ نعرف الله وغص بالدمع فأشاح بوجهه جانباً حتى لا يشاهد ياسر دموعه في عينيه الخضراوين، ضمته والدته إلى صدرها الدافئ، شمّ ياسر رائحة الأرض الطيبة، انحنت تقبله بشغف، سحبه والده.. هيا يا بني السيارة لن تنتظر أكثر. تعلقت نظراته على سعاد التي تقف بجانب والدته رفعت يدها بخجل مع السلامة.. أحسّ ياسر بجسده يتكور ويرتطم بالمقعد الأمامي.. انتصب واقفاً؟ صاح الجميع.. يا الله.. يا لطيف يا منجي!! صاح أبو فهد (كل بني آدم يقعد محله حتى لا يختل توازن السيارة) وتابع: (الحمد لله مرت على خير كنا رحنا ببلاش) قال العم أبو حامد مخاطباً الجميع: احمدوا الله يا جماعة ربنا سبحانه وتعالى لطيف بعباده، شعر الجميع بالراحة لحديث العم أبو حامد وجلس كل منهم صامتاً دون كلام!! قطع شرود ياسر صوت أبو فهد.. (ولك ابن.. وين شرطان المسجلة) ردّ خالد معاونه: عندك معلم تحت غطا القماش.. مدّ يده أبو فهد أخرج شريطاً جديداً وضعه في آلة التسجيل.. وتابع (ايه.. هلّق صار فينا نسوق على كيفنا بعد أن استلمنا الطريق العام المؤدي إلى مدينة حماه.. وكانت الرياح والأمطار خفت قليلاً؟ انسابت من الآلة نغمات عود أبي العجم فساد الصمت إلا من بعض الهمهمات الجانبية وكل واحد صفا لذاته يدمل بعض جروحها النازفة على لحن العود؟ وانساب صوت لمطرب جبلي كان ناس تلك المنطقة يعشقونه كثيراً.. لما تلاقينا على سفح رابةٍ وجدت بنان العامرية احمرا
الله يا فؤاد صاح الجميع الله..!! همس أبو نادر في أذن أبو فهد (سحاب ها البطحة سحاب) وتابع: (هيك صوت بدو عرق) ردّ أبو فهد هامساً: (بدك عمك أبو حامد ينزلنا مع الشيطان بالشتم).. التفت أبو نادر باتجاه العم أبي حامد.. كان يغط في نوم عميق ويده ممسكة بالسبحة، أخرج أبو فهد من تحت الكرسي مطرة معدنية قديمة كان يملؤها دائماً بالعرق الممزوج بالماء.. (خدلك رشفة – قل الحمد لله) وتابع الصوت مع نغمات العود الدافئة
فقلتُ خضبت الكف بعد غيابنا. .. قالت معاذ الله ذلك ما جرا
لكـنني لما رأيتـك راحـلاً بكيت دما حتى بللت به الثرى
ومسحت بأطراف البنان مدامعي
فعاد خضاب الكف من يدي أحمرا

قال أبو سلمان وقد نسي سعال زوجته المبحوح: الله يرحم أمك يا فؤاد. ونادى أبا فهد: الله يعطيك العافية هيك وقت بدو فؤاد.
أخذت البنايات العالية في المدينة تظهر لياسر رويداً رويداً.. تنبه لصوت المعاون آخر موقف بالحاضر يا جماعة وبعدين على بازار الغنم كان الجميع يحفظ هذه التعليمات لكنّ المعاون كان يعيدها كل يوم..؟ دار ياسر بنظراته على جميع وجوه ركاب السيارة كأنه يودع القرية بأكملها.. ثم نهض واقترب من العم أبي حامد قبّل يده قائلاً: ادعُ لنا يا عمي بالتوفيق، ربت العم أبو حامد على كتفه بلطف، الله معك يا بني كن كوالدك رجلاً، أميناً.. إنشاء الله يا عم، نزل من السيارة وتابع خطواته الثقيلة باتجاه الحافلة التي ستقله إلى العاصمة.. تنهّد ياسر يا إلهي كأنه اليوم نفسه والشهر نفسه، أشعل لفافة تبغ.. سنين طويلة تدور برحاها وأنا خلف هذه الطاولة اللعينة على حالي الكل من حولي أصبح له شأن وأنا ما زلت كما أنا.. جمع أحلامه وأوراقه في مصنف صغير، وصل إلى سمعه صوت آلة التسجيل من غرفة ناريمان سكرتيرة المدير العام: أتاه الصوت دافئاً:
لما عاالباب بنتودع بيكون الضوو بعدو شي عم يطلع
بوقف إطَّلع فيك ما بقدر احكيك
وبخاف تودعني وتفل وما ترجع

مسح ياسر دمعات ساخنة حتى لا يراها أحد وأطفأ لفافته، وضع المصنف تحت إبطه بعد أن أعاد قراءة الورقة من جديد وسار بخطواته الثقيلة باتجاه غرفة المدير العام متجاوزاً نظرات ناريمان الفاحصة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
NaNa
مبرمج نشيط
مبرمج نشيط


انثى
عدد الرسائل : 49
العمر : 33
نقاط : 41
تاريخ التسجيل : 10/10/2008

مُساهمةموضوع: رد: بقايا الشّوق   الجمعة أكتوبر 10, 2008 9:30 pm

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ضـــ سندس ـــيـــاء
مبرمج جديد
مبرمج جديد


انثى
عدد الرسائل : 40
العمر : 33
نقاط : 60
تاريخ التسجيل : 09/10/2008

مُساهمةموضوع: رد: بقايا الشّوق   الأربعاء سبتمبر 09, 2009 8:28 am

روووعة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
بقايا الشّوق
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: •·.·´¯`·.·• القسم الادبي •·.·´¯`·.·• :: منتدى القصص و الروايات-
انتقل الى: